الشيخ محمد مهدي الآصفي

6

في ضيافة الرحمن ( تأملات ورؤى في مناسك الحج والعمرة )

والتجرد عن الملابس والأزياء القومية والوطنية ، وتحريم الجدال في الحج يحمل معنى محاولة الحاج للتحرر من ( الأنا ) وتحريم ممارسة العلاقة الجنسية يحمل معنى محاولة التحرر من ( الهوى ) في هذه الرحلة ، ولو كان بصورة رمزية . وهما يحملان واحدة من أعظم معارف الحج ، وهي أنّ التحرر من سلطان الأنا والهوى ، ( وليس من الأنا والهوى ) هو الشوط الأول من الطريق . . . وليس يتأتَّى للعبد أن يسلك الطريق الصعب إلى الله ، وهو يخضع لسلطان الأنا والهوى . وتتمّ هذه الرحلة بصورة جماعية ، فلا يُقْبل ضيوف الرحمان على الله في هذه الرحلة فرادى ، وإنما يقبلون على الله مجتمعين في مكان واحد وزمان واحد . وهي عبادة ورحلة فريدة في نوعها ، فلستُ أعرف عبادة يجمع المستطيعين للعبادة ، من كل أقاليم الأرض من الموحّدين ، في مكان واحد وزمان واحد ، غير هذه العبادة . وكلما يكون الاقبال على الله جمعيّاً ، يكون القبول من الله تعالى لعباده أسرع وأكثر ؛ فيتقبّل الله تعالى المسيئين منهم بمن أحسن ، وضعفائهم بأقويائهم . ففي رحلة الصلاة فنقول كل يوم عشرة مرات : ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) فنعرض على الله عبادتنا ضمن عبادة عباده الصالحين بصورة جمعيّة ؛ هكذا ( نعبد ) ونطلب من الله الاستعانة ، ضمن طلب الصالحين من عباده للاستعانة ؛ هكذا ( نستعين ) ، فإنّ الله تعالى لا يرد عبادة الصالحين من عباده ، ولا يرد طلب الاستعانة من عباده الصالحين ، وهو تعالى أكرم من أن يبعّض الصفقة الواحدة من الطلب ، فيتقبّل البعض ويَرُدّ البعض . ونحن نقدم عبادتنا لله ، واستعانتنا به ، صفقة واحدة مع سائر عباده ، وهكذا ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) . وكذلك في رحلة الحج يقف الحجاج كلهم جميعاً في عرفة ، في مكان واحد